المملكة الساحرة
المعرفة سر الحياة السعيدة
بريك رمضان

    عام آخر من التدوين، مر كالسحاب في سمائنا الإلكترونية، وتنوعت أحداثه وتفاوتت حتى رأينا تقريبا جميع الفصول على ملامح المدونات. فمع الصيف الساخن كانت لقاءات المدونين والمدونات السعوديين، يجتمعون ويخلقون نوعا جديدا من الثقافة الاجتماعية، ثقافة الجيل الافتراضي.

 

    وبدخول الخريف بدأ الفتور يفت عضد بعض الأقلام، فمنها من يتأخر عن الكتابة، والبعض الآخر توقف عن الكتابة كليا، وبتفاوت نسائم الخريف بين الإمطار والجدب، استمرت روح التدوين هي الغالبة على ذلك المناخ المتقلب.

 

    شتاء المدونات كان باردا هذا العام، حيث حدثت أول العواصف في ساحة المدونات السعودية، وتعرض بعض المدونين للمسائلة من قبل أجهزة الدولة، وارتجفت فرائص البقية المتابعة، واشتعلت نار الغيرة على المدونات من هذا التعدي، وظهرت التعليقات والتأييدات بين المدونات، وانتهى الشتاء على خير، وبقى روح النقد والإصلاح فيها دافئا.

 

    وبعودة عطور الربيع أزهرت مدونات جديدة في سماء الكتابة، وزاد زخم المشاركة والتفاعل، وتراكمت الخبرات، وبدأ نوع من عودة الروح والتجديد والإبداع يسري في الجديد والقديم منها، وبدت الصورة أكثر وضوحا لمن كان يسأل نفسه لماذا أدون؟

 

    في شهر رمضان الحالي (مبارك على الجميع الشهر)، سأتوقف عن الكتابة المعتادة، وسأبدأ في إكمال الرواية التي بدأتها رمضان السابق "نافذة على الرمال". سأضع قدم فوق أخرى واستلقى واستمتع بروح الشهر الفضيل. أتمنى للجميع شهرا جميلا وعاما جديدا مليء بالتدوين والإبداع والجمال.

أي فكر (ثقافة) نحتاج

    استثارتني بعض التعليقات على مقالي السابق "مطالعات في الدين والإسلام والعصر"، خاصة ذلك التساؤل الذكي من المدونتين العزيزتين المميزتين ليال وإنتروبي، الذي في اعتقادي أنه يدور حول كوننا نغوص كثيرا في تحليل العقبات والتحديات التي تواجه الإصلاح في المجتمع، لكننا نخرج في النهاية خالي الوفاض لأن المشكلة مستعصية الحل (حسب رأي العزيزة إنتروبي)، أو لا نستطيع أن نجد الفكر الذي يتناسب مع الفترة الحالية التي نمر بها (حسب رأي العزيزة ليال).

 

    وأوافق العزيزتين أن هذا الوضع "يبدو" أنه صعب التعامل معه (خاصة على مستوى الفرد)، لكني موقن أن العزيزتين (وكثير من أفراد المجتمع) تمارسان من السلوكيات التي تتضمن الكثير من الإجابة على هذه التساؤلات، لكن "العقدة" تكمن في عدم تعميم هذه السلوكيات على جميع قضايانا المعيشية والاجتماعية والسياسية وغيرها.

 

    ولتوضيح الأمر سأتخيل العزيزة إنتروبي قبل مغادرتها أرض الوطن للذهاب إلى أمريكا، وأنها عندما فكرت بوسيلة المواصلات التي ستقلها إلى هناك لم يساورها أي شك في أنها ستذهب بالطائرة، ولو افترضنا أنه كان لديها تردد في ركوب الطائرة لأنها "منتج غير إسلامي" مثلا، أو أنها "لا تتماشى مع العادات والتقاليد"، فلن يبقى لديها إلا "الجمل" ليكون وسيلتها في هذه الرحلة، وعندها ستواجه مشاكل لا تحصى ولا تعد من الصعوبات والتحديات لمجرد تفكيرها بطريقة "غير عصرية".

 

    ولو افترضنا أيضا أن العزيزة ليال أرادت أن تتواصل مع صديقاتها في بلدها الجميل البحرين، أو تطمأن على أناس عزيزين عليها خارج البلاد، وعندما اقترح عليها أحد الأصدقاء أن تشتري "جوالا"، رفضت بحجة أن الجوال يأتي من بلاد غربية، أو أن البلد المصنع للجوال يساهم في القضاء على قضايانا العربية، فهل سيكون "الحمام الزاجل" طريقة "واقعية" للتواصل في القرن الواحد والعشرين؟!

 

    طبعا مع الاعتذار الشديد للعزيزتين ليال وإنتروبي لاستخدامهما في هذا المثال التوضيحي، لكن التحدي الحقيقي لنا كبشر أن نستطيع أن نستخدم أدوات "العصر" في التعامل مع قضايانا "الراهنة"، وأن لا نتردد في "استجلاب" سواء الوسائل التكنولوجية الحديثة (وليس لدينا مشكلة في هذه) أو الوسائل "الفكرية" الحديثة (وتلك هي مصيبتنا).

 

    لقد أصابنا داء نجت منه كثير من المجتمعات الأخرى، وهو اعترافنا أننا متخلفون في كل شيء تقني، لكن في نفس الوقت نعلن للعالم أننا فكريا وثقافيا وحضاريا نسمو فوق الجميع، وأننا لسنا في حاجة إلا للمنتجات التقنية، أما الفكر والثقافة والعلم فنحن من يجب أن يتبعنا "الآخرون" فيها، وهذه حالة للأسف أشاهدها يوميا ليس في أوساط العامة فقط بل بين المثقفين والمتعلمين من الجنسين.

 

    عندما كتبت عن خاتمي أردت أن أشير لنجاحه "المتميز" وسط دوله تموج بالتحديات الثقافية والاجتماعية، وقد كانت أكبر وسيلة مكنته من هذا التفوق "المرحلي" هي تبنيه للفكر والثقافة الغربية في إدارة الحملة الانتخابية. فلو كان استخدم أي طريقة أخرى لم يكتب له النجاح، ولضل كما ضللنا نحن في جدل دائم عن "الجمل" و"الحمام الزاجل".
 
مطالعات في الدين والإسلام والعصر

    من الشخصيات البارزة سياسيا وثقافيا التي تركت بصمة متميزة في تاريخنا السياسي المعاصر هو الدكتور محمد خاتمي الرئيس الإيراني السابق. وكنت قد انتهيت منذ فترة قريبة من قراءة كتابه "مطالعات في الدين والإسلام والعصر".

 

    أكن لهذا الرجل الكثير من الاحترام والتقدير، فهو ليس رجل فكر فقط، بل هو من القلائل الذين استطاعوا تحويل رؤيتهم الإصلاحية في المجال السياسي والاجتماعي إلى واقع يوم كسب الانتخابات وهو مرشح عن الإصلاحيين في إيران.

 

    ورغم أن الكتاب هو مجرد جمع لعدة محاضرات ألقاها حول العالم، ولقاءات أجراها في الصحف، إلا أنه خرج بشكل يختزل رؤية هذا الرجل ويطرح العديد من التساؤلات "والإجابات" التي تلامس قضايانا اليومية، خاصة السياسية منها.

 

    وقد تركزت أطروحاته كبداية على تحليل الواقع الثقافي والصعوبات التي نواجهها للتعايش في القرن الواحد والعشرين، وفي ذلك يقول: "إن إحدى أعظم مشكلاتنا هي في أن ثقافتنا أو الجوانب الهامة منها، تنتمي إلى حضارة قد غبر عصرها منذ قرون، وأن حياتنا واقعة تحت تأثير حضارة جديدة تقتضي ثقافة تنسجم معها".

 

    كما أنه يركز أيضا على عامل آخر يديم حالة الخمول الاجتماعي وهو وجود الحكومات الاستبدادية في كثير من دول العالم الإسلامي، حيث يقول: "وباستبداد تلك الحكومات وتحول السلطة إلى محور في المجتمع، افتقد الإنسان إمكان الحضور في مضمار الحياة الاجتماعية، وسحقت بالتالي شخصيته بعد أن سلبت حق التعبير عن نفسها بصورة طبيعية".

 

    وقد يكون أكثر ما كان يردده في صفحات الكتاب هو أن الحرية هي المبدأ الذي يمكن أن تنطلق منه عوامل الإصلاح الفكري والاجتماعي والسياسي، حيث يقول في أكثر من موضع في الكتاب: "إن التغيير والتقدم ينبغي أن يسبقا بالفكر، والفكر لا ينمو إلا في إطار الحرية وعلى أرضيتها".

 

    نحن في حاجة فعلية لإعادة النظر في الكثير من الإرث الذي تلقيناه، وبتمحيص الحكايات والسجلات التاريخية التي تملى علينا وكأنها حقائق غير قابلة حتى للنقاش. كما أننا بحاجة أيضا للإيمان بأن التغيير والإصلاح أمران ممكنان، وبأن الواقع يمكن أن يتغير لو تغيرنا نحن في نظرتنا إليه، وتغير سلوكنا وعاداتنا الماضية.

 

جيران والمدونات

    لا أكتب كثيرا عن جيران كما يجب، فقد قدم هذا الموقع (وما يزال) الكثير من الخدمات لأعضائه ومرتاديه، تبدأ من الدعم العربي الممتاز للكتابة (وهو أمر رئيسي بالنسبة للتدوين)، وتستمر إلى الإضافات الجديدة من دعم المواقع الشخصية، وحفظ الملفات والصور، والتطوير والصيانة المستمرة على مدار الساعة.

 

    وعلى الرغم من أن جيران قد ابتعدت عن مجالها الأساسي وهو استضافة المدونات، إلا أنها ما زالت تولي عناية خاصة بخدمات التدوين. فالمتابعة الشخصية لحركة المدونين وكتاباتهم وأخبارهم عمل مستمر، وكذلك المشاركة في التدوين بوضع مدونة خاصة بجيران تتفاعل مع المواضيع والمستجدات في عالم التدوين.

 

    لكن قد لا يكون ذلك كل ما يميز جيران، فقد بدأت جيران وهي تحمل شعارا ضمنيا مفاده "نحن نعشق التدوين"، بحيث يساهم أعضائها في الكتابة الإبداعية مثل المدونة العزيزة حلا طه، ودعم التجمعات التدوينية كما حصل هذا الشهر في اللقاء التدويني السادس في مصر (متى يحين وقت المدونين الخليجيين؟!).

 

    كما أن العضوية والمشاركة الفعالة تلاقي تشجيعا من قبل جيران، وقد سعدت حين تلقيت بريدا إلكترونيا من جيران يخبروني فيه أنه تم حذف الإعلانات المتحركة عن مدونتي لكوني عضو مميز (شكرا جزيلا جيران).

 

    ويبدو أن للكتابة في جيران ميزات لم تكن متوقعه، مثل الخبر الذي قرأته في مدونة العزيز سعودي جينز عن هجوم "هاكرز" اسلامويين على مدونة في جيران لكاتب سعودي ليبرالي، وانتهت باستعادة المدونة، واكتسابها شهرة مضاعفة. وكذلك كانت دهشتي كبيرة عندما حاولت البحث عن مواضيع جديدة للكاتبة والمعارضة السعودية "مضاوي الرشيد"، عندما اكتشفت أن موضوع سابق قد كتبته عنها يحتل المرتبة الثالثة في البحث على غوغل.

 

    وتبقى الميزة الأهم غير قابلة للوصف، وهي الروح التي يتحلى بها الموقع والعاملين عليه والأعضاء المشاركين، والطبيعة "الشرقية" في إدارة الموقع، بحيث تبقى العلاقات الإنسانية هي المحرك الأول للتواصل، وتلك قيمة نادرة في العالم الافتراضي.

 

 

جنس الغباء

    دخلت مع أحد الأصدقاء في مناقشة حول المشاكل التي يعانيها جيل الشباب في مسألة الزواج، فبالإضافة للأعباء المادية والتكلفة العالية التي وصلت إليها مناسبات حفلات الزفاف لدينا، يطل شبح آخر هو فشل الحياة الزوجية بسبب الخلافات الناتجة عن التباعد الفكري بين الزوجين.

 

    وكان صديقي هذا دائما ما يشن حربا كلامية على المرأة السعودية (وخاصة النجدية)، يحملها فيها فشل العلاقات الزوجية بسبب جهلها وتمسكها بأنماط اجتماعية لا توفر الحياة الزوجية "العصرية" السعيدة بالنسبة للرجل. وكنت دائما ما أتهمه بالعنصرية مازحا (هو أقرب للعصبية الذكورية).

 

    وفي المقابل كثيرا ما أسمع انتقادات مشابهة من الفتيات السعوديات للرجل السعودي، واصفينه بالتعصب والانغلاق الفكري والأنانية وعدم القدرة على تحمل المسئولية والخلو التام من الرومانسية. ويجتمعن مع صديقي في رأي واحد هو أن المشكلة أصلها كونهن/كونهم سعوديات/سعوديين، وأن الحل الوحيد هو البحث عن شريك من خارج الحدود (صديقي يقترح المرأة الآسيوية لأنها تجمع ما بين المعاصرة وروح المحافظة الشرقية، أما "معظم" الفتيات قد وضعن رأيهن في الرجل "الايطالي"، ربما لأنه يجمع ما بين دخول الدم العربي عليه لكن مع بقاء البريق الأوروبي في طابعه العام).

 

    صراحة أنا أتفق معهم جميعا (بشكل جزئي طبعا)، فالمرأة والرجل في المجتمع السعودي يكونون في الغالب غير قادرين على الخروج عن الصورة النمطية الاجتماعية المفروضة على الحياة الزوجية، والتي تكون غالبا مبنية على ما يريده ويفرضه المجتمع عن كيفية طبيعة العلاقة بين الزوجين. لكني أختلف معهم في تحليل طبيعة المشكلة، فلا يمكن أن يكون السبب كونهم سعوديون فقط، وكذلك لا يمكن أن يكون الحل في الزواج من خارج الحدود.

 

    ولو أردنا أن نصف عدم القدرة على الخروج من هذه الصورة النمطية من قبل الرجل والمرأة بـ"الغباء الاجتماعي"، لوجدنا أن نسبة كبيرة من المجتمع السعودي مصابين بهذا الداء، ولكنه ليس خاص بهم فقط، فهو موجود في بقية المجتمعات والأعراق الأخرى، مع فارق في العادات والتقاليد. والمثير في الأمر أن هناك تشابه كبير بين المصابين بهذا "الغباء" من كل الجنسيات، ولا أنسى تعابير وجه صاحبي عندما سمع صديق أجنبي يشتكي من مشاكله الزوجية فلم يملك إلا أن يتعجب ويقول: "حتى في أمريكا عندهم زي مشاكلنا!!!".

 

    وكما أن التشابه في الغباء عالمي فكذلك التشابه في الذكاء أيضا، وأكثر من يعلم ذلك هم من حصلت لهم فرصة تكوين صداقات من جنسيات حول العالم، فالإنسان لا ينفك من التعجب من مقدار التشابه في العقليات والميول والأهواء بين الأصدقاء حتى وإن كانوا من جنسيات مختلفة.

 

    فما هو الحل إذا؟! الحل بكل بساطة هو في البحث عن "الذكاء" في الشريك، وجعله على قائمة المعايير المطلوبة، وليس هناك حاجة للبحث خارج الحدود، فالبلد مليئة بالشباب والشابات ذوي الوعي العالي والثقافة المتميزة، وليس على الفرد إلا أن يسعى بجهد، وأن لا ييأس من المحاولات الأولى.

 

((سؤال سمعته في قناة سوا الإذاعية: هل يستطيع الرجل التعامل مع المرأة الذكية؟ أجوبة الرجل العربي: "ينبغي أن يكون الرجل ذكيا بما فيه الكفاية ليمنع زوجته من أن تصل لهذا المستوى"، "الرجل العاقل لا بد أن يختار امرأة أقل منه ذكاء"، "أصلا لا يمكن أن يحدث مثل ذلك لأن النساء ناقصات عقل ودين وليس هناك امرأة ذكية")).
 
ثمانون كتابا بحثا عن مخرج

    مدونتان لم أجد لهما مثيلا من حيث الإبداع الثقافي والعطاء والاجتهاد الفكري المتخصص، الأولى هي مدونة العزيز برومثيوس "تأملات فنية" والتي تبحث في تاريخ اللوحات العالمية. والأخرى هي مدونة "سعود العمر" والتي كان يطلق عليها ثمانون كتابا بحثا عن مخرج.

 

    وبما أني قد تحدثت عن الأولى سابقا، فسأجعل حديثي اليوم عن مدونة سعود العمر التي جعلها خالصة للكتابة عن مجموعة محددة من الكتب، اختارها لقراءته الشخصية، ثم قرر أن يكتب عنها "مراجعات" ويشارك الآخرين بها في مدونته.

 

    وتتنوع العناوين المختارة في المدونة بين كتابات "لدان براون" و"نجيب محفوظ" و"دوستوفسكي" و"جان بول سارتر" و"غازي القصيبي" و"أمبرتو أيكو" و"جوستين جاردر" و"نيتشة" و"هيجل"، والعديد العديد من الأسماء والعناوين الجاذبة.

 

    وقد لا تكون عناوين الكتب التي اختار الحديث عنها هي عامل الجذب في المدونة، فهي تتفاوت من حيث القيمة الفكرية والإبداع الكتابي، لكن الطريقة التي يتحدث بها عن هذه الكتب في حد ذاتها إبداع ثقافي يتميز بدقة الوصف والتحليل، مع الابتعاد عن كشف أسرار الكتاب حتى لا تضيع متعة الاكتشاف على القارئ.

 

     وكمثال لأسلوبه في عرض الكتب، آخذ مقتطف من حديثه عن كتاب "خوارق اللاشعور" للكاتب والمفكر العراقي علي الوردي: "كتاب ظلمه عنوانه كثيراً، والعيب ليس في العنوان بحد ذاته، ولكن في بعض الكتب الأخرى التي تحمل عناوين قريبة من هذا العنوان، ولا تتجاوز الهرطقة بخصوص اللاشعور، أو العرض السطحي المكرر بخصوص وصايا النجاح، بعكس هذا الكتاب الذي يبحث، في موضوعه، على مستوى عميق جداً في نفس الإنسان، ونطاق واسع جداً على صعيد المجتمع".

 

    سواء اتفقت مع اختيار المدون سعود العمر لقائمة الكتب أم كان لك تفضيلات أخرى، فلا بد أن تعجب (كما فعل الكثيرون) بأسلوب عرضه المتميز، والذي يخلق فيك روح البحث عن الكتاب واقتنائه بعد أن تقرأ ما كتبه عنه. وهذا بحد ذاته إبداع آخر.

 

رحلة عبر الزمن

    أعيش هذه الأيام حالة من التقلب المزاجي، قادتني إلى الإحساس بشدة بانكسار حاجز الزمان بين مشاعر ولحظات الماضي والحاضر. فصار ما يحدث لي بالأمس القريب أشعر أنه حدث منذ فترة طويلة، وما حصل منذ سنوات أشعر به كما أنه قريب وحصل بالأمس.

 

    ولا أكذبكم القول أني أقضي وقتا ممتعا مع هذا الشعور، فليس أفضل من أن تعيش بعض لحظات الذكريات، شرط أن تكون تستطيع الوصول إلى الأحداث الجميلة منها فقط، ولا أستطيع أن أتخيل أن يحدث ذلك مع شخص تعود أن ينظر إلى الجانب التعيس من الأحداث، لأن مخزونه من الذكريات سيكون مؤلما.

 

    وقد يكون الشيء الوحيد المقلق في الموضوع أن هذا الشعور قد أعاد تساؤلي لقضية فكرية قديمة كانت تشغلني لفترة من الزمن، وهي حكاية الوجود في مساحة زمنية معينة. فقد حاولت - بعد أن قرأت كتاب "الوجود والعدم" للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر - أن أحسب الوقت الفعلي الذي نقضيه فيما يسما بلحظة الحاضر. وقد صعقت عندما تبين لي أن ذلك شيء شبه مستحيل.

 

    فكلما حاولت أن أقيس وقت الحاضر أجد نفسي أمام لحظات تستعصي القياس بالوقت، فكل "لحظة" تمر تقفز بالحاضر إلى أحضان الماضي، ووجدت أني أقلص الوقت الفعلي للحاضر من ساعة إلى نصف ساعة وإلى أقل من ذلك بكثير حتى وصل الحساب إلى أجزاء من الثانية دون أصل للحظة قياس حقيقية.

 

    الشيء الوحيد الذي أصبحت متأكد منه بعد هذه المحاولة، أن الواقع والحياة والوجود هي ليست بالبساطة التي نتصورها، أو بالشكل الذي تظهره بها حواسنا. وأن الزمن (ذلك المجهول) يحمل أسرارا تجعل الحياة أكثر تشويقا متى ما علمت أن هناك تصور لأكثر من واقع تستطيع أن تراه.

 

    سأستغل قدر الإمكان هذه النافذة الزمنية المفتوحة على الماضي، فقد أرتني كم هم الأشخاص الذين يعيشون في حياتي جميلون جدا، وكم أنا غني بوجودهم حولي، وأن أكبر انجاز حقيقي تسجله في حياتك أن تكون قد أحطت نفسك بمجموعة من الشخصيات التي تثير الحياة من حولك، وأن تكون أنت بالمقابل قد أثريت حياتهم بوجودك.

 

    عزيزي القارئ، إذا كان الزمان خط مستقيم أنت في منتصفه، والماضي خلفك، والمستقبل أمامك، فما هو طول اللحظة التي تعيشها وتعرف بالحاضر؟ وهل يمكن قياسها زمنيا؟ وماذا يعني إذا لم تستطع أن تقيسها؟ هل ينفي ذلك فكرة أنك موجود أصلا؟!

 

سينما ومظاهرات

    أكتب جزءا من هذه المقالة استجابة لدعوة المدون المخضرم فؤاد الفرحان، تفاعلا مع خبر اعتصام خمسة عشر امرأة سعودية وسبعة أطفال أمام مديرية مباحث منطقة القصيم. وكان ذلك في السادس عشر من هذا الشهر، وقد قامت إحدى المعتصمات بنشر هذه الرسالة على الهاتف الجوال:

 

"اعتصمنا نطالب بمحاكمة أزواجنا علنياً بوجود محامين. وبتوقيف التعذيب. وبنقلهم إلى القصيم. وبإشراف القضاء على السجون. عددنا خمس عشرة إمرأة وسبعة أطفال. نحن الآن محاصرات أمام مديرية مباحث القصيم. تحاصرنا قوة الشغب وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

المتحدثة: ريما الجريش

زوجة المعتقل محمد الهاملي."

 

    ما يقومون به يستحق الإشادة فعلا، وليس أقل من أن نقف معهم بالكلمة والتأييد، فهم يمثلون مطالب العديد من الشعب السعودي. ومن أراد متابعة الأحداث فيمكنه زيارة موقع المدون فؤاد الفرحان.

 

    وفي نفس اليوم كنت أقرأ عن تظاهرة سعودية أخرى، لكنها في مجال مختلف، فقد أعلن عن البدء بفعاليات "مهرجان جدة للعروض المرئية". والذي يشارك به العديد من المخرجين السعوديين والخليجيين بأفلام قصيرة ووثائقية منوعة.

 

    لمن لم يجد الرابط بين هذين الموضوعين فهو إشارة للتغيرات التي تجري في المجتمع السعودي، حيث صرنا نسمع ونشاهد كل يوم مزيدا من الحركة والتجديد في مجتمع أقل ما يمكن أن يوصف به أنه محافظ حتى الجمود.

 

    وبين مستبشر ومتذمر بهذه التطورات الحادثة في المجتمع السعودي، أسجل رأيي الشخصي في كل ذلك بأن أقول: "مرحبا برياح التغيير".

 

ست الحبايب

    مضت حوالي العشرة أيام لي في دبي الآن، وفيما عدى اليوم الأول الذي أصبت فيه بزكام حاد كانت الرحلة من أروع ما يكون. تسكع في الأسواق، ومرور على المكتبات، ومشاهدة الكثير من الأفلام.

 

    وما أضاف للرحلة طعما جديدا هذا العام هو أن ست الحبايب (العزيزة الوالدة) كانت بصحبتنا، وكان وجودها مصدر سعادة ومشاركة للجميع. فقد استمتعنا بتعليقاتها الطريفة على كل ما هو مختلف بين الرياض ودبي، وبين حياة الرفاهية الآن وحياتهم السابقة التي كانت تخلو من كل وسائل الراحة والتقنية التي حبانا الله بها.

 

    ولو أردت أن أصف أمي فلن أجد أي اختلاف بينها وبين كل أم سعودية، فالبساطة والطيبة والحب الكبير لأولادها صفات مشتركة بينها وبين كل بقية الأمهات، لكني تعرفت منذ فترة على أمر فيها أعتقد أنه يعطيها شيئا من التميز.

 

    فقد اكتشفت أن ست الحبايب مغرمة بتسجيل الأحداث والتواريخ أينما كانت ومهما تغيرت الظروف، تسجل صغيرها وكبيرها على السواء، وليست أحداث بيتنا فقط بل كل ما يخص العائلة الكبيرة من زواجات ومواليد وسفريات بل حتى الأوقات الصعبة من مرض أو وفاة (اكتشفت أنها تستعين بأخي الأصغر في الحالات الصعبة فهي لا تكون قادرة على الكتابة عندما تنفعل).

 

    وحين اجتمعنا في أحد الليالي لنتأكد من أنها قد أحاطت بكل تاريخ العائلة، أكتشفنا أن لديها "أرشيفا" مكتوبا يصلح أن يوضع في كتاب يمكن أن يقرأ فيه الناس حكاية طويلة عن عائلتنا الكريمة، وكان ذلك مصدر اعجاب من قبلنا للدقة التي كانت تكتب بها الأحداث.

 

    لا أعلم أما ثانية تقوم بذلك، وقد ضل هذا شعوري إلى فترة قريبة، حين علمت من إحدى الصديقات العزيزات أنها قد وقعت بالصدفة في مزرعة العائلة على دفتر خطته أمها التي توفت وهي صغيرة، وكانت الأم تخاطب فيه ابنتها وهي تعلم أنها ستموت ولن تراها تكبر أمام عينيها، فقررت أن تخط لها كلمات تتحدث فيها عن ذكرياتها علها تكون نوع من الحياة التي يمكن أن يعيشاها ولو عبر الكتابة.

 

    هذه التجارب نبهتني إلى أن أمهاتنا قد يوجد لديهن كنوز من المعرفة يمكن أن نستفيد منها جميعا، ولا نحتاج إلا للجلوس معهن والإنصات لهن حتى نكتشف ما سجلته عيونهن الكريمة. واقترح على الجميع أن يقوموا بهذا العمل، فهو ممتع جدا لنا ولهن أيضا.

 

حدث في عليشة

    لمن لا يعرف "عليشة" من الأخوان والأخوات خارج مدينة الرياض، فهي حي من أحياء المدينة القديمة، مشهور بوجود مباني خاصة لجامعة الملك سعود للبنات، ومباني "المباحث العامة" لوزارة الداخلية.

 

    ولا أعلم هل كان هناك تخطيط مسبق لوضع هذه المباني في حي واحد، فكلاهما مصمم ليكون شبه "معتقل" لمن يقطنه، فتيات الجامعة والمعتقلين السياسيين. والفرق الوحيد هو أن أحد هذين المكانين قد بدأ في رفض واقعه المؤلم.

 

    فمن منتصف الشهر السابق، بدأ عدد من المعتقلين السياسيين إضرابا عن الطعام، في حركة احتجاج على سوء المعاملة، والأوضاع المتردية داخل السجون، وعلى سجن البعض دون أي محاكمة أو توجيه تهم لهم.

 

    ويبدو أن خبر هذا الإضراب المنظم قد وصل إلى بعض السجون السياسية الأخرى المنتشرة في الرياض وما حولها، فصارت المشاركة جماعية، لكن إدارة السجون السياسية رفضت (كما في ستة حالات سابقة خلال هذا العام) أن تتفاوض مع المضربين.

 

    يتردد اسم الدكتور سعيد بن زعير كمحرك أول لهذا الإضراب، فهو أحد المعارضين السياسيين الذين طال اعتقالهم، وقد أنظم إليه مؤخرا عددا من المعارضين السعوديين المعروفين، مثل الدكتور سعيد الغامدي والشيخ خالد الراشد والشيخ جاسر القحطاني.

 

    وقد كانت الاعتقالات هذا العام متركزة على شخصيات عملت على المطالبة بالإصلاح والتغيير، ومعظمهم من المنتسبين "لحركة الملكية الدستورية"، التي تدعو لمزيد من مشاركة الشعب في الحكم، وإلى انتخاب مجلس الشورى من قبل المواطنين.